المقريزي
306
المقفى الكبير
وأولاده وجميع أمراء طيّئ مشاة في ركابه وبين يديه ، حتى دخل المسجد وصعد المنبر وخطب فحمد اللّه وأثنى عليه وقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق . . . إلى قوله : يَحْذَرُونَ ( القصص ، 1 - 6 ) . ثمّ أتمّ الخطبة وصلّى بالناس وعاد إلى دار الإمارة . فبلغ ذلك الحاكم ، فلم يزل ببني الجرّاح يستميلهم حتّى تقرّر الحال أن يدفع إلى كلّ من حسّان وإخوته خمسين ألف دينار ، سوى الهدايا والخطايا « 1 » . فمالوا إليه حتّى انحلّ أمر أبي الفتوح ورجع إلى مكّة كما قد ذكر في ترجمته . فكتب أبو القاسم ابن المغربيّ إلى الحاكم كتابا يعتذر فيه ويسأل العفو عن جريرته ، وصدّر الكتاب بقوله [ الطويل ] : وأنت ، وحسبي أنت ، تعلم أنّ لي * لسانا ، إمام المجد ، يبني ويهدم وليس حليما من تباس يمينه * فيرضى ، ولكن من تعضّ فيحلم [ حصوله على أمان من الحاكم ] فصيّر إليه الحاكم أمانا بخطّه ، نسخته : باسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا الكتاب كتبه المنصور أبو علي ، الإمام الحاكم بأمر اللّه ، أمير المؤمنين ، لحسين بن علي بن حسين المغربيّ : إنّك آمن بأمان اللّه ، ورسوله جدّنا محمد المصطفى ، وأبينا [ 392 أ ] عليّ المرتضى ، والأئمّة من آلهما ، مصابيح الهدى ، صلّى اللّه عليهم وسلّم ، وأمان أبينا الأقرب نزار أبي المنصور العزيز باللّه أمير المؤمنين ، قدّس اللّه روحه وصلّى عليه ، على النفس والجسم وجميع الجوارح والحواسّ ، والمال والخال « 2 » والأهل والأقارب والأسباب ، أمانا ماضيا لا يتعقّب بتأويل ولا يتبع بفسخ ولا تبديل . وإنّ الإمام الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين أمّن حسين بن علي بهذا الأمان بعد أن تحقّق له ذنوبا وأجراما عظيمة ، فصفح عن علم ، وتجاوز عن معرفة وحلم ، وجعل هذا الأمان كالإسلام الذي يمحو ما قبله ويمهّد الخير لما بعده . وكلّ سعاية ووشاية وذنب وجريمة تنسب إلى حسين بن عليّ قد تحقّق أمير المؤمنين أكثر منها وصفح عنه ، فلا يد له عليه إلّا الإحسان إليه . وإن لحسين بن علي هذا اختياره عند وقوفه على هذا الكتاب ، في انكفائه إلى الباب العزيز والتعرّض للخدمة ، أو التوفّر على العبادة ، لا يكره على خدمة يستعفى منها ، ولا تقبل عليه الأقاويل في خدمة يتعلّق بها . وأقسم أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه على ذلك ، وبأيمان اللّه وغليظ مواثيقه وبيته الحرام ومشاعره العظام وآياته الكرام ، وحقوق جميع آبائه عليهم السلام . فمتى غيّر أو [ 459 ب ] بدّل ، أو أمر أو أملى ، أو أسرّ أو أعلن ، أو دسّ أو اغتال ، فجميع المسلمين في شرق الأرض وغربها ، وفي الموقان « 3 » ، والريّ وأذربيجان ، والدينور وهمذان ، والسهل والجبل ، والقريب والبعيد ، والعراق والشام ، وديار ربيعة وديار بكر وديار مضر ، وحلب ومصر والحجاز والمغرب ، في حلّ وسعة من بيعته وقد فسح اللّه لهم وفسح لهم أمير المؤمنين في النكث بها وبرّأ
--> ( 1 ) شرحنا هذه الكلمة في ترجمة أبي الفتوح الحسنيّ رقم 1176 ، والمقريزي يعيد هنا ما كتبه هناك . ( 2 ) هكذا في المخطوط بالخاء المعجمة ، ولعلّها تعني الخول ، أي الخدم والعبيد والإماء ، وإن كانت المعاجم لا تقرّ هذا المعنى . ( 3 ) موقان وموغان : ولاية من أذربيجان بين أردبيل وتبريز ( ياقوت ) .